أبو علي سينا

49

القانون في الطب ( طبع بيروت )

والنسيم إلى القلب كالأذنين عصبيتان يكونان متعصبتين مسترخيتين ما دام لقلب منقبضاً ، فإذا انبسط توترتا وأعانتا على حصر ما يحتوي عليه إلى داخل ، فهما كخزانتين يقبلان عن الأوعية ، ثم يرسلانه إلى القلب بقدر ، وأدقتا ليكون أحوى وأحسن إجابة إلى الإنقباض ، وصلبتا ليكون أبعد عن الانفعال . والقلب يغتذي مع قواه الطبيعية انبساط ، فيجذب الدم إلى داخل كما يجذب الهواء . وقد وضع القلب في الوسط من الصدر لأنه أعدل موضع ، وأميل يسيراً إلى اليسار ليبعد عن الكبد ، فيكون للكبد مكان واسع . وأما الطحال ، فنازل عنه ، وبعيد ، وفي إنزاله منفعة سنذكرها ، ولأن توسيع القلب المكان للكبد أولى من توسيعه للطحال ، لأن الكبد أشرف ، ومما قصد في إمالة القلب عن الكبد أن لا يجتمع الحار كله في شق واحد ، وليعدل الجانب الأيسر ، إذ الطحال بنفسه غير حار جداً ، وليقل مزاحمته للعرق الأجوف الجائي إليه ممكناً له بعض المكان ، وما كان من الحيوان عظيم القلب ، وكان مع ذلك جذعاً خائفاً ، كالأرانب ، والأيايل ، فالسبب فيه أن حرارته قليلة ، فينفس في شيء كثير فلا يسخنه بالتمام . وما كان صغير القلب ، ومع ذلك جريئاً فلأن الحرارة فيه كثيرة تحتقن وتشتدّ ، ولكن أكثر ما هو أجرأ عظيم القلب ، ولا يحتمل القلب ألماً ، ولا ورماً ، ولذلك لم يذبح حيوان فوجد في قلبه من الآفات ما يوجد في سائر الأعضاء . وقد وجد في قلب بعض الحيوانات الكبير الجثة عظم ، وخصوصاً في الثيران ، وهذا العظم مائل إلى الغضروفية ، وأكبره وأعظمه مع زيادة صلابة هو ما يوجد في قلب الفيل ، وكذلك وجد قلب بعض القرود ذا رأسين . ومن قوة حياة القلب أنه إذا سل من الحيوان وجد نبض إلى حين ، وقد أخطأ من ظن أن القلب عضلة ، وهو وإن كان أشبه الأشياء بها لكن تحركها غير إرادي . فصل في أمراض القلب : قد يعرض للقلب في خاصته أصناف الأمراض كلها ، مثل أصناف سوء المزاجات ، وقد تكون بمادة وقد تكون ساذجة . والمادة قد تكون في عروقه ، وقد تكون فيما بين جرمه وبين غلافه ، وخصوصاً الرطوبة ، وكثيراً ما يوجد في ذلك الموضع رطوبات . ومن المعلوم أنها إذا كثرت ضغطت القلب عن الانبساط ، وقد يعرض له الأورام والسدد ، وقد يعرض له شيء من الوضع أيضاً ، مثل ما يعرض له من احتقان في رطوبة مزاحمة تمنعه عن الانبساط ، فيقبل . والانحلال الفرد الذي يعرض ، إما فيه ، وإما في غلافه ، وإذا استحكم في القلب سوء مزاج لم يقبل العلاج ، وإذا كان غير مستحكم لم يكن سهل قبول العلاج . والورم الحار قاتل جداً في الحال ، والبارد مما يبعد ويندر حدوث صلبه ورخوه في القلب ، وأكثره في غلاف القلب